الشيخ محمد رشيد رضا

587

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أصل اللغة من النفل - بفتح وسكون - أي الزيادة عن الواجب ومنه صلاة النفل . قال الراغب النفل قيل هو الغنيمة بعينها لكن اختلفت العبارة عنه لاختلاف الاعتبار فإنه إذا اعتبر بكونه مظفورا به يقال له غنيمة ، وإذا اعتبر بكونه منحة من اللّه ابتداء من غير وجوب يقال له نفل ، ومنهم من فرق بينهما من حيث العموم والخصوص فقال الغنيمة كل ما حصل مستغنما بتعب كان أو بغير تعب ، وباستحقاق أو بغير استحقاق ، وقبل الظفر كان أو بعده . والنفل ما يحصل للانسان قبل القسمة من جملة الغنيمة ، وقيل هو ما يحصل للمسلمين بغير قتال وهو الفيء ، وقيل ما يحصل من المتاع قبل أن تقسم الغنائم . وعلى هذا حملوا قوله ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) الآية والمعنى يسألونك أيها الرسول عن الأنفال لمن هي ؟ أللشبان أم للمشيخه ؟ أو للمهاجرين أم للأنصار قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي قل لهم الأنفال للّه يحكم فيها بحكمه وللرسول يقسمها بحسب حكم اللّه تعالى وقد قسمها صلّى اللّه عليه وسلّم بالسواء . وهذا لا ينافي التفصيل الذي سيأتي في قوله تعالى ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) الخ فيكون التفصيل ناسخا للاجمال كما قال مجاهد وعكرمة والسدي فالصواب قول ابن زيد ان الآية محكمة وقد بين اللّه مصارفها في آية الخمس . وللامام أن ينفل من شاء من الجيش ما شاء قبل التخميس فَاتَّقُوا اللَّهَ في المشاجرة والخلاف والتنازع وسيأتي في السورة مضار ذلك ولا سيما في حال الحرب وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي أصلحوا نفس ما بينكم وهي الحال والصلة التي بينكم تربط بعضكم ببعض وهي رابطة الاسلام واصلاحها يكون بالوفاق والتعاون والمواساة وترك الأثرة والتفوق ، وبالايثار أيضا . والبين في أصل اللغة يطلق على الاتصال والافتراق وكل ما بين طرفين كما قال ( لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ) ويعبر عن هذه الرابطة بذات البين . وأمرنا في الكتاب والسنة باصلاح ذات البين فهو واجب شرعا تتوقف عليه قوة الأمة وعزتها ومنعتها وتحفظ به وحدتها وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الغنائم وفي كل أمر ونهي وقضاء وحكم ، فاللّه تعالى يطاع لذاته لأنه رب العالمين ومالك أمرهم ، والرسول يطاع في أمر الدين لأنه مبلغ له عن اللّه تعالى ومبين لوحيه فيه بالقول والفعل والحكم . وهذه الطاعة له تعبدية لا رأي لأحد فيها وتتوقف عليها